Full text of "FP63023"
ترجمة موجزة للشيخ محمد ناصر الذين الألباني
ولد الشيخ المحدّث محمد ناصر الدين الألباني في مدينة أشقودرة عاصمة ألبانية
عام 1415 م في أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي» فقد تخرّج والده
في المعاهد الشرعية في العاصمة العثمانية الآستانة قديماً» التي تعرف اليوم
باستانبول» ورجع إلى بلاده لخدمة الدين وتعليم الناس حتى أصبح مرجعاً تتوافد
عليه الناس للأخذ عنه.
هاجر أبوه إلى بلاد الشام فراراً بدينه وخوفاً على أولاده من الفتن - بعد تحويل
ألبانية إلى بلاد علمانية تقلّد الغرب واستوطن مدينة دمشق .
طلبه للعلم:
طلب العلم في مدرسة الإسعاف الخيرية الابتدائية بدمشق» ثم أكمل علمه على
يد والده» حيث وضع له برنامجاً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن» والتجويد.
والصرفء وفقه المذهب الحنفى.
كما تلقى بعض العلوم الدينية والعربية على بعض الشيوخ من أصدقاء والده مثل
الشيخ سعيد البرهاني» إذ قرأ عليه كتاب مراقي الفلاح» وبعض الكتب الحديثة في
علوم البلاغة.
٠. أخذ الشيخ إجازة في الحديث من الشيخ راغب الطبّاخ علامة حلب في زمانه .
أقبل على علم الحديث في العشرين من عمره متأثراً بأبحاث مجلة المنار التي كان
يصدرها الشيخ محمد رشيد رضاء فكان يتردد على المكتبة الظاهرية ويبقى فيها
اثنتي عشرة ساعة لا يفتر عن المطالعة والتحقيق إلا في أثناء فترات الصلاة» فكان
يدخل قبل الموظفين صباحاًء وفي بعض الأحيان يبقى الشيخ في المكتبة ما شاء
الله له البقاء» فربما يصلي العشاء ثم ينصرف, وكان من حرصه على الوقت أنه كان
يجيب عن بعض الأسئلة التي توجه إليه وهو ينظر في الكتاب دون أن يرفع بصره
إلى محدثهء وكما يقول الدكتور محمد الصباغ: عين في الكتاب وعين في
السائل .
ا
الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار) للحافظ العراقي» والتعليق عليه
وهذا الكتاب هو تخريج لأحاديث كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي.
كسبه عن عمل يده: !
أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات» وهي مهنة حرة سهّلّت على الشيخ التفرغ
لطلب العلم والاشتغال بعلم الحديث» حيث يقول الشيخ :
ومن توفيق الله تعالى وفضله علي أن وجّجهني منذ أول شبابي إلى تعلم هذه
المهنة. ذلك لأنها حرة لا تتعارض مع جهودي في علم السنة» فقد أعطيت لها من
الحصول على القوت الضروري لي ولعيالي وأطفالي على طريقة الكفاف طبعاًء فإن
من دعائه عليه السلام: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً»”''. وسائر الوقت أصرفه
في سبيل طلب العلم والتأليف ودراسة كتب الحديث وبخاصة المخطوطات منها في
المكتبة الظاهرية» ولذلك فإنني ألازم المكتبة ملازمة موظفيها لها.
منهح الشيخ العلمي:
لقد عرف الشيخ بمنهجه الأثري الحديثي» فقد كان ممن جدّد الدعوة إلى
ضرورة التمسك بالكتاب والسنة وعدم التقديم عليهماء كما بِيّن أن هذا المنهج هو
منهج الأئمة الأربعة الذين نهوا أتباعهم عن تقليدهم أو تقليد غيرهم إذا صح الحديث
عن رسول الله يكل ولم يكن معارّضاً أو منسوخا.
كما جدد الدعوة إلى وجوب التمييز بين الأحاديث» ومما كتب في هذا المجال:
(والسنة قد دخل فيها ما لم يكن منها لحكمة أرادها الله تعالى» فالاعتماد عليها
مطلقاء ونشرها دون تمييز أو تحقيق يؤدي حتماً إلى تشريع ما لم يأذن به الله؛ وحري
. متفق عليه )١(
بمن فعل ذلك أن يقع في محظور الكذب على النبي يَكْهُ كما في حديث سمُرة
والمغيرة رضي الله عنهما . ويؤكده ويوضحه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله يكلهّ: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» ولذلك قال الإمام
مالك رحمه الله تعالى :
(ليس يسلم رجل حدّث بكل ما سمعء ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما
سمع) . وقال عبد الرحمن ابن مهدي : (لا يكون الرجل إماماً يُقتدى به حتى يُمسِك عن
بعض ما سمع). [رواه مسلم في المقدمة] .
ه كمابيّن الشيخ رحمه الله أن التساهل في رواية الأحاديث الضعيفة كان من أكبر
الأسباب القوية التي حملت الناس على الابتداع في الدين» فإن كثيراً من العبادات
التي عليها كثير منهم اليوم إنما أصلها اعتمادهم على الأحاديث الواهية بل
والموضوعة. 1
ه وقد أجاب الشيخ أيضاً على ما هو شائع بين جمهور أهل العلم وطلابه من أنَّ
الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال بما نصه :
إن القاعدة المزعومة ليست على إطلاقهاء بل هي مقيدة في موضعين منها:
أحدهما حديثي» والآخر فقهي .
ثم بين الشيخ أن القيد الحديئي هو أن يكون الضعف غير شديد» ونقل كلام
الحافظ السخاوي في بيان شرائط العمل عند الحافظ ابن حجر» ونصه:
قال الحافظ السخاوي:
وقد سمعت شيخنا مراراً يقول: - وكتبه لي بخطه :
إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة :
الأول: - متفق عليه - أن يكون الضعف غير شديد» فيخرج من انفرد من الكذّابين
والمتهمين بالكذب» ومن فُحش غلطه .
الثاني : أن يكون مندرجاً تحت أصل عام» فيخرج ما يُخترع بحيث لا يكون له أصل
أصلاً .
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا ينسب إلى النبي يك ما لم يقله.
قال: والأخيران عن ابن عبد السلام؛ وعن صاحبه ابن دقيق العيد» والأول نقل
العلائي الاتفاق عليه .
وأما القيد الفقهي» فيقول الشيخ في إيضاحه وهو توضيح للشرط الثاني عند
ابن حجر :
أن يكون الحديث الضعيف قد ثبت شرعية العمل بما فيه بغيره مما يصلح أن
يكون دليلاً شرعياً» وفي هذه الحالة لا يكون التشريع بالحديث الضعيف» وغاية ما
فيه زيادة ترغيب في ذلك العمل”" .
جهود الشيخ ناصر الدين في تنقية السنة:
وقد ساهم الشيخ رحمه الله تعالى في تنقية السنة النبوية مما ليس منهاء فكان
مشروعه المتميز :
اتقريب السنة بين يدي الأمة» ومن هذا المشروع :
١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة.
١ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيىء في الأمة.
- صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته.
4 - صحيح وضعيف السئن الأربعة.
4 إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل .
5 نمام المئة في التعليق على فقه السنة.
- غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام .
4 - صحيح وضعيف الأدب المفرد للبخاري .
4 السنئّة لابن أبي عاصم .
٠ - تحقيق أحاديث مشكاة المصابيح .
)١( انظر مقدمة العلامة الألباني على صحيح الترغيب والترهيب.
ه 3ه
. تحقيق أحاديث رياض الصالحين - ١
. تحقيق مختصر صحيح مسلم - ١
وكان منهج الشيخ في ذلك أنه لا يقلد أحداً فيما أصدره من الأحكام على تلك
الأحاديث». وإنما انع القواعد العلمية التى وضعها أهل الحديث وجروا عليها في
إصدار أحكامهم على الأحاديث من صحة أو ضعف, وذلك في عصر ازدهار الحياة
الإسلامية والعلم الإسلامي.
إحياء الشيخ للسنن ومحاربته للبدع:
وقد حرص الشيخ رحمه الله تعالى على العمل بوصية رسول الله كه في قوله :
«وإياكم ومحدثات الأمور».
فقد أحيا كثيراً من السئن» وحارب كثيراً من البدع. وصئّف في ذلك معجماً
للبدع. إلا أنه فقده أثناء محنته وهجرته من بلد إلى أخرى .
غير أن رسائله تدل على جهوده فى هذا المجال» فقد صئّف في ذلك كتباً فى
أبواب خاصة» من ذلك :
صفة صلاة النبي يل من التكبير إلى التسليم كأنك تراهاء ورسالة في بيان أحكام
صلاة الجمعة وبدعهاء كما صنف رسالة خاصة بأحكام الجنائز وبدعها .
وللشيخ دروس علمية كثيرة» ومحاضرات تأصيلية هامة» بيّن فيها كثيراً من
مكانة الشيخ العلمية:
كان مرجعاً لكثير من العلماء وأساتذة الجامعات وطلاب العلم. ولأجل منزلته
العلمية» فقد تم اختياره للأعمال العلمية التالية :
١ اخختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة
وات
بموسوعة الفقه الإسلامي التي عزمت الجامعة آنذاك على إصدارها عام ١904 م.
7د اخلر عضروا في لجنة الحديك التي شكلت تل عهداالورهدة بن مسر وسورياء
للوشراف على نشر كتب السنة وتحقيقها.
انتدبه فضيلة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى مفتي المملكة
العربية السعودية سابقاً - ليتولى تدريس مادة الحديث وعلومه وفقهه في الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة.
اختاره الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله ليكون عضواً فى المجلس الأعلى
لشؤون الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة في عام ١790 وحتى 1194/8 ه.
- طلب منه وزير المعارف في المملكة العربية السعودية الشيخ حسن عبد الله آل
الشيخ رحمه الله عام ١784 هء أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات العليا
للحديث في جامعة مكة المكرمة» وقد حالت بعض الظروف دون تحقيق ذلك .
5 تم اختياره ليكون ضمن دعاة الإدارة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض -
للسفر إلى مصرء والمغرب, وإنكلترا ليقوم بالدعوة إلى عقيدة التوحيد والمنهج
الإسلامي الحق .
- طلبت منه الجامعة السلفية في بنارس - الهند أن يتولى مشيخة الحديث فيها
فاعتذر عن ذلك .
8 - خصصت له إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق غرفة خاصة ليتفرغ للبحث والتحقيق»
وهذه الميزة لم تحصل لأحد من قبله .
9 - دعي إلى مؤتمرات عالمية وإسلامية كثيرة حضر بعضها واعتذر عن كثير منها بسبب
اشتغالاته العلمية الكثيرة .
٠ - زار عدداً من دول أوروباء والتقى فيها بالجاليات الإسلامية والطلبة المسلمين»
وألقى دروساً علمية مفيدة .
١ -زار عدداً من الدول الإسلامية» منها: الكويت» وألقى فيها المحاضرات
والدروس.
وقد التقى الشيخ بكثير من العلماء والأساتذة.
-و-
جرأة الشيخ في الحق:
وقد كان الشيخ جريئاً في الحق لا يخاف في الله لومة لائم» ومتى ما صح الدليل
عند الشيخ - رحمه الله تعالى - وسَّلِم من المعارض والناسخ. قال به وإن كان
الجماهير على خلافه» وقد قرر الشيخ قاعدة سار عليها: أنْ الحديث حجة بنفسه.
وهو يقرر في ذلك قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله » في الفتاوى
العراقية حيث يقول: (الحجة في النص والإجماع والدليل المستنبط من ذلك»
وأقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية ولا يُقبّح بها على الأدلة الشرعية) .
وكان يقول دائماً: (أثبت العرش ثم انقش)» وبعبارة أخرى أثبت الدليل أولاً ثم
اعتقد واعمل به» وهذا منهج العالم المتجرد الذي يريد أن يعرف الحق ويعمل به لأنه
الحق» بخلاف الذين يريدون أن يوافقوا أهواءهم أو حاجة في نفوسهم فيعملون
ويعتقدون ثم يبحثون عن دليل ليتستروا به.
لذلك فقد شغب كثير ممن ينتمون إلى تيارات سياسية» أو مدارس مذهبية
ضيّقة» على الشيخ لأنه ذهب إلى ما ثبت عنده بالدليل وخالف ما هم عليه .
أما إخواننا من عوام المسلمين» الذين يتأثرون بالتشويش الحاصل على المنهج
إن العمل الذي قام به فضيلة العلامة من تحقيق السنة ونشرهاء وتوضيح المنهج
في هذا العصر الذي ظهرت فيه البدعة وخفيت فيه السُنَّةَ» لعمل عظيم » ومن كان حاله
كمن ذكرنا حق له أن ينطبق عليه ما قيل :
يغتفر قليل خطأ المرء بكثير صوابه» والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث .
طلاب الشيخ:
وقد كان الشيخ رحمه الله تعالى حريصاً على التعليم» فقد كان يعمد الدروس
العلمية للشباب» كما يلقى الدروس على النساء» وكان مما درّس طلابه :
-زن-
١ الروضة الندية للعلامة صديق حسن خان القنّوجي البخاري.
"فقه السنة لسيد سابق.
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ حسن آل الشيخ .
: - رياض الصالحين للإمام النووي.
ه شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي .
5 الإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد.
الأدب المفرد للبخاري .
4 الترغيب والترهيب للحافظ المنذري.
4 الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لأحمد شاكر.
. أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف - ٠
١ الحلال والحرام ليوسف القرضاوي.
. اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية - ١
١ - منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد.
وقد تخرج على الشيخ طلاب برزوا في العلم والتحقيق وخدمة التراث
الإسلامي. ويكفي أنه درّس طلاب الجامعة الإسلامية بالمديئة النبويّة فترة من
الزمن؛ وحسبنا في هذا الباب أن نسجل تلاميذه المشهورين في عالمنا الإسلامي
والعربي؛ ولعل من أبرزهم :
٠١( -الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي محقق المعجم الكبير للطبراني في ١
وقد أعجب بتحقيقه شيخنا بديع الدين السندي محدّث الديار السندية )دلجم
. فأرسل له ثبته الذي فيه أسانيده وله من المؤلفات ما يحتاج إلى صفحات
” - الشيخ أبو إسحاق الحويني - أمتع الله به - والذي ذكر الشيخ أنه يخلفه في علم
الحديث.
' - الشيخ علي حسن علي عبد الحميد» صاحب التآليف الكثيرة والتحقيقات العلمية
ل لم
الوفيرة.
4 - الشيخ محمد عيد عبّاسي» له أبحاث عديدة» ورسائل علمية كثيرة.
ه الشيخ سليم بن عيد الهلالي» صاحب التآليف الكثيرة» والتحقيقات العلمية
الشهيرة .
١ الشيخ مشهور بن حسن سلمان؛ صاحب المؤلفات الكثيرة النافعة» والتحقيقات
المرضيّة الماتعة.
- الأستاذ الشيخ خير الدين وانلي» وله مؤلفات كثيرة هامة .
4 الأستاذ الشيخ محمد إبراهيم شقرة أحد العلماء المبرزين في الأردن» وله
تأليفات كثيرة شهيرة .
4 الشيخ الداعية عبد الرحمن عبد الصمد رحمه الله» وله أبحاث ورسائل مطبوعة .
٠ الشيخ علي خشان., وله رسائل كثيرة مطبوعة.
١ الشيخ محمد بن جميل زينو المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة وله
رسائل أشهر من أن تعرّف .
وغيرهم كثير.
وهكذا ظهر أن الشيخ قد حقق وأنجز ما لم تنجزه مؤسسات الأبحاث» وخرّج
جيلاً من طلاب العلم خدموا الدين والتراث ولم يزالوا ما لم تتمكن من تخريجه
الجامعات.
وفاة الشيخ رحمه الله تعالى:
توفي الشيخ يوم السبت 7١ جمادى الثانية ١57١ ه الموافق " تشرين الأول
8 م. ودفن في مدينة عمّان الأردن» وصلْيَ عليه بعد صلاة العشاء»ء وقد بلغ
عدد المشيعين أربعة آلاف رجل . وقد أسرع المجهزون بدفن الشيخ رحمه الله تعالى
عملا بوصيته في تعجيل دفنه .
رحم الله شيخناء محدث الدنياء فقد عاش بالعلم» وللعلم» بين حدثنا
وأخبرنا»ء صحب أنفاس الرسول يل وأصحابه الكرام» والسلف الصالحين» فكان
من أكثر الناس صلاة على رسول الله يكل وترضياً على أصحابه الكرام كما هو حال
أصحاب الحديث .
فاللّهم نوّر وجهه يوم تبيض وجوه أهل السنة واحشرنا وإيّاه مع النبيّين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسّن أولئك رفيقاً.